النويري
15
نهاية الأرب في فنون الأدب
وكان سبب ذلك أن الوقف ضاق ريعه عن المرتب عليه ، فأراد قاضى القضاة اختصار بعض المرتّبين ، ليتسع الريع على من بقي ، وعزم على قطع درس الطب وغيره ، فقام في ذلك مدرس الطب بالمكان ، وهو علم الدين الشوبكى [ 1 ] ، وسعى في مباشرة الوقف ، ووقع في ذلك تشنيع كثير ، وشكاوى ممن حصل الغرم على توفيرهم ، واتصلت الشكاوى بعلم السلطان ، ففوض النظر فيه وفى أوقافه لوكيله المشار إليه ، ففعل في أمر الوقف ما لا يتمكن القاضي بدر الدين من فعله ولا يمكنه ، وذلك أنه نجّز توقيعا شريفا سلطانيا بمسامحة الوقف بما على ناحية « منية اندوانة » من عمل الجسور السلطانية وغيرها مما كان يحمل إلى بيت المال ، وهو في السنة نحو عشرة آلاف درهم ، ووفر جامكية [ 2 ] جماعة من المباشرين بشرط الواقف ، وتقديرها نحو ذلك ، واسترجع جهات من الوقف كانت مؤجّرة بأجاير شرعية ، فأخذها ممن هي في يده بالإيجار الشرعي وحماها ، فتميز ريعها ، وتحدث مع السلطان في عمارة الجامع من أموال الخاص ، فرسم بذلك ، فعمر ، ووقف / السلطان عليه وقفا من جهته ، وحمى أوقافه المسقفة ، ونقل السكان إليها ، فحصلت الزيادة فيها جملة في كل سنة ، فاتسع المال بهذه الأسباب ، وفاض المتحصل عن كفاية المرتبين عليه ، وعلم القاضي كريم الدين أنه لا يستحق جامكية النظر التي شرطها الواقف للناظر ، وهى في كل شهر أربعمائة درهم ، فامتنع من أخذها ، وبعثها إلى قاضى القضاة بدر الدين ، فردها ولم يقبلها ، فتوفرت هي وجامكية نيابة النظر ، وهى في كل شهر مائة درهم ، وكان قد تأخر في مدة قاضى القضاة للمدرسين والمعيدين والطلبة خمسة أشهر ، فامتنع كريم الدين من صرف ذلك إليهم ، [ لاستقبال ] [ 3 ] مباشرته ، واستمر الصرف لهم كل شهر في مستهل الشهر الذي يليه .
--> [ 1 ] علم الدين الشوبكى ، واسمه توما بن إبراهيم الطبيب ، كان من أطباء السلطان الناصر ، وترجمة مدرس الطب هذا في ( الدرر 1 / 528 ) . [ 2 ] الجامكية ، والجومك : رواتب موظفى الدولة من الملكية والعسكرية وهو لفظ فارسي مركب من جامه - قيمة ، وكى : وهى أداة النسب ( الألفاظ الفارسية المعربة ص 45 ، ومحيط المحيط ) . [ 3 ] ما بين الحاصرتين من « أ » ص 7 وعبارة « ك » ( لاستبقاء ) وما أثبتناه هو الصحيح .